الثلاثاء، 7 مايو 2013

المسرح

المسرح

  
 أنطلقت بسيارتى أشق هدوء الليل وصوت أفكارى يعلو صوت الرعد فى السماء ...
فقد كانت هذه الليلة شديدة البرودة ، غزيرة الأمطار ، ولكن هذا لم ولن يمنعنى من الذهاب إلى المسرح وإتمام أخر بروفة من أولى مسرحياتى ...
لقد تلقيت أكثر من اتصال لكى أكتفى بببروفى صباح اليوم ، ولكن هيهات إنها فرصتى التى كن أحلم بها منذ زمن ...
إنها المرة الأولى التى أكتب و أخرج فيها ، لقد أكتفيت من أن أظل مساعدا فى الإخراج ...
وعندما أتيحت لى الفرصة للأستقلال بذاتى وبدأت بهذه المسرحية الدرامية ، تحدانى الجميع ...
راهن الجميع على فشلى وعدم قدرتى فى قيادة أى عمل وحدى ...
ولكنى قبلت التحدى ، ولذلك لن يكون هناك تهاون فى العمل ...
لن يكون هناك أى تأجيل أو أى أعزار ...
لن يكون هناك .......
أنقطعت أفكارى عندما رأيت المسرح من بعيد ، فأسرعت بسيارتى متجها إليه فى لهفة ...
وكلما أقتربت منه ، كان قلبى يخفق ...
يخفق بشدة ...

 ------------------------------------------


-         أحمد ، هيا أستيقظ لقد تأخرت .
فتحت عينى بصعوبة لأجد أمامى زوجتى وهى تقوم بتجهيز حقيبتى ، فأبتسمت لها وقلت فى كسل واضح :

-         كم الساعة الأن ؟ أعتقد أن الوقت مازال باكرا .

-         الساعة الأن العاشرة ، ولقد أتصل المخرج بك أكثر من مرة ، فهيا
أستيقظ .
أنتفضت مسرعا من الفراش ، لم يبقى سوى ساعة واحدة على ميعاد الطائرة ، فقالت زوجتى وهى مستمرة فى ترتيب الحقيبة :

-         إلى متى سوف تغيب هذه المرة ؟
-         لا أعرف يا حبيبتى ، سوف أعود بمجرد إنهاء تصوير المشاهد اللازمة بفرنسا ، ولكن لن يزيد الأمر عن أسبوعين أو ثلاث على الأكثر . 
-         أيجب عليك الذهاب فى كل مرة ؟ 
-         نعم ، فأنا مساعد المخرج . 

ثم أخذت منها الحقيبة وقبلتاه على وجنتيها وذهبت مسرعا متجها إلى المطار .....

----------------------------------- 

-         أكان لابد من هذه البروفة ، لقد أدينا واحدة صباح اليوم .

نظرت إلى (سعاد) - بطلة المسرحية – التى كان يبدو عليها الضيق ، فأجبتها بصرامة
قائلا :

-         نعم يا سعاد ، لابد من هذه البروفة الأخيرة ، فأنا لا أريد أى أحتمال لأى
خطأ .

ثم ذهبت مسرعا إلى مقعد فى الصف الأمامى وجلست عليه وبجوارى ( محمود ) مساعدى فى الإخراج ...
وبعد برهة بدأت البروفة ، وبدأت أنا فى التركيز ...
وكان أداء الممثلين رائعا بالفعل ، جعلنى أتخيل منظر الجمهور المندمج ، بل لقد أندمجت أنا بالفعل حتى النخاع وكدت أنسى أننى المخرج ...
ثم توالت المشاهد والفصول ، وأخذت أضع أنا لمساتى الأخيرة ، حتى جاء المشهد
الخير ...
فأوقفت التصوير ، ثم ذهبت ...
ذهبت على أمل العودة غدا لمتابعة العرض الأول لأول أعمالى ...
ذهبت تاركا متابعة المشهد الأخير لمساعدى ...
كالعادة ...


--------------------------------

-         أخيرا أقنعت المخرج بإعطائى البطولة المطلقة هذه المرة .

قالتها ( ياسمين ) وهى تتقلب على الفراش ، فنظرت إليها بحنان ، ثم أعتدلت أنا الأخر بجانبها قائلا :

-         لقد قلت لكى يا حبيبتى أننى سوف أجعلك نجمة سنيمائية قريبا ، وها أنا ذا أوفى بوعودى .
-         ولكن لماذا عاد المخرج فجأه إلى مصر وهو لم يستكمل تصوير المشاهد بعد .
-         لا أعرف ، لقد ذكر أن هناك أمر هام يجب أن ينهيه أولا ، ثم إن هذا أفضل ، حتى يتثنى لنا قضاء أطول وقت معا ، دون مضايقات .

أطلقت ( ياسمين ) ضحكة عالية رجت أرجاء الحجرة ، ثم تبدلت ملامحها وهى تقول فى أسى :

-         للأسف يا حبيبي ، لقد علم زوجى بتأجيل التصوير ، وطلب منى العودة إلى مصر حتى يعود لمخرج ، ولذلك سوف أسافر إلى مصر فى أول طائرة تقلع غدا .
-         ماذا ؟! تعودين إلى مصر ؟! ، وماذا سوف أفعل أنا بدونك حتى يعود المخرج ؟ ، لقد كانت فرصة جيدة لقضاء وقت ممتع .
-         فلتعود أنت أيضا إلى زوجتك ، سوف تكون مفاجأة سارة أن تعود لها سريعا .
-         أعود إلى زوجتى ؟؟

ثم تنهدت قبل أن أتابع :

-         يبدو أن هذا هو الحل الوحيد ...

--------------------------------

كاد قلبى أن يخرج من صدرى فى هذه الليلة ...
إنه العرض الأول لمسرحيتى ...
العرض الأول لأول أعمالى ...
بعد أن وضعت لمساتى الأخيرة ، ذهبت وجلست مع الجمهور ، وأنتقيت مقعدا فى الوسط ..
أردت أن أرى عملى وكأننى واحد منهم ، وفى نفس الوقت أحببت أن أشاهد تأثير العمل فى وجوههم ..
أردت أن أشعر بما يشعرون .. بحزنهم .. بسعادتهم .. أو حتى بسخطهم ..
ومع الوقت ، بدأ المسرح بالإزدحام تدريجيا ، حتى أمتلأ عن أخره ..
كان الجمهور كبيرا بحق ..
حضر كل من أعرفهم ، بالرغم من معارضتهم لى ، فمنهم من جاء ليشمت ، ومنهم من جاء متمنيا نجاحى ، و..
وبدأت المسرحية ..
وعم الصمت المكان ، ولم يكن هناك سو صوت الممثلين على المسرح ، وجلست أنا أتابع ..
أتابع عملى من ناحية ..
ورد فعل الجمهور بعد كل لحظة من ناحية أخرى ..
وبعد فترة ، شردت فى مسرحيتى ، وكأننى أراها لأول مرة ..
وكأننى لم أكن أنا كاتبها أو مخرجها ..
هل كان هذا بسبب أداء الممثلين الرائع ؟!! ، لا أعرف ، ولكن من الواضح أن هذا ليس رد فعلى وحدى ، فقد كان الجمهور مندمجا مع الأحداث بطريقة عجيبة ، وكانت علاما الإعجاب تزداد من مهد إلى أخر ..
حتى جاء المشهد الأخير ...


-----------------------------------

اتجهت من المطار إلى منزلى ، بعد أن أنتقيت هدية صغيرة لزوجتى ..
سوف تسعد زوجتى لرؤيتى بالتأكيد ، فهذه أول مرة لا يطول غيابى فيها عندما أسافر للعمل ، ولذلك سوف تكون مفاجأة سارة ..
أقتربت من باب المنزل وأنا أدندن بكلمات أغنية قديمة من الزمن الجميل ، وهممت أن أطرق الباب ، ولكنى توقفت فى اللحظة الأخيرة ..
الأفضل أن أدخل وأفاجئها بقدومى ..
فأخرجت مفاتيحى ، ودلفت إلى المنزل ، وأخذت أبحث عنها ببطء فى أرجاء المنزل ، حتى وصلت إلى غرفة النوم ..
ولكن ما هذا الصوت الذى أسمعة ، هناك صوت غريب يأتى من الداخل ..
صوت لم أعهده فى منزلى من قبل ..
ولكن صوت زوجتى حاضر أيضا ..
فتوترت ملامحى ، ووجدت نفسى أتحسس مسدسى  الذى لا أتحرك من دونه ..
ثم دفعت باب الغرفة بقوة ودلفت إلى الداخل ..
و....


--------------------------------


أقترب بطل المسرحية من منزله بلهفة واضحة ، بعد غياب ليس بطويل ..
وكانت ملامح السعادة ترتسم على وجهه ، فهى المرة الأولى التى يعود فيها من السفر أو من عمله مبكرا ..
فدخل إلى المنزل وهو يحترق شوقا لرؤية زوجته ..
ولكنه تسمر فجأه أمام غرفة النوم عندما عندما سمع صوتا غريبا من الداخل يمتزج بصوت زوجته ..
فدلف فجأه وبعنف إلى الداخل ، ليجد ما لم يتصوره على الإطلاق ، حتى فى أبشع كوابيسه ..
لقد شاهد زوجته وحبيبته وشريكة عمره مع شخص أخر على فراش الزوجية ..
بدون أن يشعر أمتدت يده إلى سلاحه ..
وأخرجه وصوبه اتجاه زوجته وعشيقها ..
و...

-         لااااااااااااااااااا

انطلقت الصيحة منى فجاه لتخرج جميع المشاهدين من أجواء المسرحية ..
بل لتخرج الممثلين على المسرح أنفسهم من اندماجهم فى العمل ، وجعلتهم يتوقفون وينظرون إلى فى دهشة وأنا أقف وسط الجمهور والدموع تسيل بغزارة على وجنتاي ..
فتابعت وأنا فى حالة شرود وبصوت باكى :

-         لا ، لن أقتلها هذه المرة ..

ثم تطلعت إلى العيون الذاهلة المتجهة إلى وأنا أتابع :

-         لقد خنتها ..
أنا أيضا خنتها ..

------------------------------------

--- محكمة ……………..


  • ·        بعد المرافعة الشفوية التى أبداها دفاع المتهم ، والإطلاع على مستندات القضية ونص المادة 237 عقوبات ..
وبعد أن ثبت فى حق المتهم من أنه قد أرتكب جريمة قتل زوجته وشريكها الزانى دفاعا عن شرفه وعرضه أثناء مفاجئتهما متلبسين بجرمهما على فراش الزوجية بمسكن الزوجية ، وذلك تحت تأثير ضغط نفسى وعصبى ..
وبناء على ما سلف ........
  • ·        حكمت المحكمة حضوريا على المتهم أحمد محمد الصاوى - الزوج - بحبسه ستة أشهر وذلك مع إيقاف التنفيذ ...

--- رفعت الجلسة ...............
وعمت الفرحة على معظم الحاضرين سواء من أقاربى أو معارفى ، إلا شخص واحد ...
هو أنا ......


--------------------------------

-         وتنتهى القصة هنا ، فما رأيك عندما تتحول إلى سيناريو مسرحية ؟
-         أعتقد أنها سوف تكون أفضل كفيلم سنيمائى ، ولكن كأول عمل مسرحى لك فلا بأس بها .

ثم مال نحو ( الأول ) قليلا متابعا :

-         ولكن من أين لك بهذه الأفكار ؟

أرتسمت على وجه ( الأول ) ابتسامة باهتة وهو يجيب :

-         لقد اقتبستها ...

ثم تراجع فى مقعده ، وشرد ببصره بعيدا وهو يتابع :

-         اقتبستها من مسرح أيضا ..
مسرح الحياه ..

تمت بحمد الله

تمت كتابتها فى 
2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق