45 يوم
جلست أنتظرها .. أعلم أننى جئت باكرا ولكنى سأنتظر ..
*************
- فى إيه يا أحمد قولتلك إن شغلى بيخلص متأخر ، أعمل إيه يعنى أسيب الشغل علشان حضرتك بتضايق .
قالتلها سارة بعصبية وهى تضع بعض الأوراق فى حقيبتها ، بينما يتطلع إليها أحمد وسط الظلام الذى يخيم المكان صامتا غاضبا ، فتنظر إليه سارة ثم تتنهد وتلمس وجهه بيدها فى حنية قائلة :
- يا حبيبى أنا بخلص شغلى متأخر ، وأنا بحب شغلى مش هينفع أسيبة .
يهدأ أحمد قليلا ثم يشير إلى ساعته قائلا :
- الساعة دلوقتى 2 .. وأنا بخاف عليكى .. ومش كل يوم هكون موجود علشان أوصلك لغاية البيت .. وبعدين ده شغل أضافى وفلوسة مش كتير .
تسحب سارة يدها بحدة قائلة :
- قولتلك كذا مرة إن المشكلة مش مشكلة فلوس .. وموضوع الشغل ده ما تكلمنيش فيه تانى .
ثم تبتعد عنه وتشير إلى سيارة أجرة لتوقفها قبل أن تلتفت إلى أحمد مرة أخرى متابعة :
- ومش محتاجة حد يوصلنى ، أنا بعرف أروح لوحدى .
ثم تركب السيارة التى تنطلق مبتعدة تاركة أحمد وقد أحمر وجهه من الضيق ويتطلع إلى دبلة الخطوبة التى تزين إصبعه ويتحسسها ..
***************
مرت ساعات وأنا جالس على نفس الطاولة فى ذلك المطعم الفخم ، أستمع إلى الموسيقى الهادئة ، وأضع الوردة الحمراء التى بيدى على الطاولة وأنتظر .. كان الناس يأتون ويخرجون ، فيقترب منى الجرسون للمرة .. لا أذكر .. لقد أنهيت قائمة المشاريب بالفعل .. ولكنى أخذت مشروبا أخر ، لقد مر الكثير الوقت .. ثم أنظر إلى ساعتى .. لم يتبقى سوى نصف ساعة ..
**************
كانت تجلس سارة داخل إحدى عنابر المستشفى فى الظلام .. تجلس على مقعد خشبى تتأمل السرير الخالى الذى أمامها .. كانت شاردة الذهن .. دامعة العينين .. متأثرة جدا بما لا تراه .. كانت تتخيل نفسها عندما كانت تتألم على ذلك الفراش .. ولكنها قد شفيت الأن .. بل أصبحت تعمل أيضا ممرضة بالمستشفى .. لماذا تجلس كل يوم هكذا لتتذكر آلامها ؟!! .. تتذكر عذابها .. هل إعتادت على ذلك ؟ .. أم أنها ذكريات ترفض أن تمحيها ؟!! .. لا تعلم حقا ، ولا تهتم بمعرفة الإجابة .. فهى تعلم أنها سوف تظل هكذا .. حتى جاءت الممرضة لتعطيها عقار ليهدئها ويهدئ آلامها مع صوت ساعة الحائط الذى يعلن أن الساعة قد أصبحت الثانية بعد منتصف الليل .. تنظر يمينها لترى أحمد واقفا على باب العنبر وقد ترقرقت عينيه بالدموع .. فتقف من مقعدها وتتجه نحوه فى صمت ..
*************
أنظر إلى ساعتى ، إن الوقت يمر بسرعة شديدة .. فلتهدأ أيها الزمن قليلا لماذا أنت عجول هكذا !! .. أصبر حتى تأتى .. فأنا أشعر بها .. ثم أتطلع إلى الطاولة التى أمامى لأجد حبيبان يتعاتبان ، أحمد و سارة ، حيث كانت سارة تقول إلى أحمد مترجية :
- معلش يا أحمد ، أجل الجواز شوية ، أنت عارف أنى بخاف من الموضوع ده .
- أأجل لأمتى بس ؟!! إحنا بقالنا فترة كبيرة مخطوبين .
ثم يمسك يدها فى حنان متابعا :
- ويا حبيبتى قولتلك ماتخافيش ، مش علشان تجربة فاشلة ، يبقى كل التجارب هتفشل .
تسحب سارة يدها برفق وهى تقول بحزن :
- ماتنساش إن التجربة دى كانت أختى .. أختى إللى راحت منى لما شافت خيانة جوزها مع صاحبتها وعلى سريرها .
ثم تتطلع إلى عينا أحمد متابعة وقد بدأت عيناها تدمع قليلا :
- وأنت عارف أنا أتأثرت بالموضوع ده قد إيه .
يبتسم لها أحمد ويجذب يدها مرة أخرى قائلا :
- عارف يا حبيبتى ، وعارف كمان إنك خفيتى وبقيتى زى الفل .. لكن السبب فى خوفك وترددك ده ، شغلك فى المستشفى ، أنا مش عارف إيه لزمته ؟!!
- أنا قولتلك ماينفعش أسيب الشغلانة دى .
- بلاش تسيبى الشغل ، أنا بطلب منك بس تخلصى الوردية وتروحى على طول .. إيه إللى بيخليكى تستنى من الساعة 9 للساعة 2 ؟!! علشان تعذبى نفسك ؟!! يا سارة ..
تقاطعه سارة وهى تسحب يدها وتقف بغضب قائلة :
- ياريت ماتجيبش سيرة الموضوع ده تانى .. أنا كده .. ولو عايز تبعد أبعد .
يتطلع إليها أحمد قليلا فى صمت ، ثم يقف بهدوء قائلا :
- أنا مسافر فى شغل لمدة 45 يوم .. هبعد فيهم عنك .. فكرى كويس وقررى أنتى عايزة إيه .. وأول ما هرجع من السفر هاجى أستناكى هنا .
ثم يخلع الدبلة من أصبعه ويمسك يدها ليضع الدبلة فى راحتها متابعا :
- أتمنى أنك ترجعيهالى مرة تانية .
تختفى صورة أحمد وسارة ، فأتحسس أصبعى مكان الدبلة الغير موجودة ، ثم أنظر إلى ساعتى .. لم يتبقى سوى دقيقتين .. دقيقتين وأرحل .. ولكن ما هذا ؟ .. إن هناك خيال أمرأة تقترب من الباب ، أرى ذلك عبر الستائر المتدلية على الشبابيك .. هل جائت أخيرا ؟!! .. أمسك الوردة بيدى وأتطلع إلى الباب ، أنتظر فى لهفة .. هل هى بالفعل ؟!! .. أم ..
أم أننى أتمنى ذلك ؟!!
تمت بحمد الله
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق